اطلاق شعار دائرة الآثار العامة   
على هامش أعمال هذه الدورة الثالثة والعشرين لمؤتمر الآثار والتراث الحضاري في الوطن العربي، وبمناسبة يوم التراث العالمي الذي يصادف الثامن عشر من نيسان من كل عام، تعلن دائرة الآثار العامة اطلاق شعارها الجديد الذي سيتوج مرحلة جديدة بدأت ملامحها تتشكل بعد مخاض كبير من العمل المتواصل والدؤوب خلال الأعوام القليلة الماضية، غرست فيها أسس العمل المنسجم مع تطور علم الآثار وتطور الحياة والحداثة مع إبقاء روابط الأصالة بالماضي والتراث بكل العمق الضارب بتاريخ حضارة الأردن والمنطقة. فقد استمدت ملامح هذا الشعار من ملامح الحضارة النبطية الاكثر تفرداً وتميزاً بعناصرها المعمارية ونقوشها وبيوتها وطرق تجارتها التي وصلت الشرق بالغرب والشمال بالجنوب والتي بسطت نفوذها في منطقة تلتقي فيها القارات الكبرى، وفي فترة كان يصعب فيها على أي حضارة ان تقوم وتنهض دون الخضوع للحضارات الكبرى آنذاك كالفرس والاغريق والرومان. وقد جاءت خطوط هذا الشعار مستوحاة من التاج النبطي الذي يزين واجهات المعالم الأثرية في البترا وغيرها من المواقع النبطية التي امتدت من تدمر وبصرى شمالا الى أطراف الحجاز جنوباً، حيث استطاع الانسان العربي النبطي إيجاد هوية محلية لعمارته التي فرضها في منطقة نفوذه الواسعة والتي استلهمت بعناصرها قساوة الصحراء وصفاء السماء، فطوع الجبال ونحت منها بيوته وجر اليها الماء وحصن مدائنه، فكانت البترا عاصمته التي استعصت على الغزاة قروناً طويلة وظلت تنعم بأصالتها وتفردها حتى غدت أعجوبة من أعاجيب الحضارة الانسانية. وليس لدائرة الآثار العامة خير من التاج النبطي المنحوت من الحجر الوردي الذي مثل أحد أهم العناصر المعمارية تفرداً لهذه الحضارة العظيمة ليكون مصدر الإلهام لشعار المؤسسة التي تحمل على عاتقها حماية التراث في هذا البلد العظيم الذي احتضن تلك الحضارة واحتضن عاصمتها البترا. لقد استطاع هذا التاج ببساطة خطوطه وقوة ملامحه ان يتفوق وأن يتميز على تيجان الحضارات العظيمة التي لعبت دوراً كبيرا بالتأثير على ثقافات الشعوب والحضارات الأخرى، حيث لم يستطع التاج الكورنثي والتاج الأيوني الذين ميزا الحضارة اليونانية والرومانية ان ينافسا التاج النبطي، أو أن يطمسا هويته وتفرده، ولذلك كان شعارنا يحاكي هذا التاج الصلب المفعم بأصالة الأنباط وأصالة نقوشهم وتاريخهم ودورهم الحضاري الذي تفوح منه رائحة الصحراء. ونحن في الأردن لا نملك إلا أن نفتخر بهذه الحضارة وبهذا العطاء من العرب الانباط الذين صقلوا لنا ملامح حضارتنا العربية وأصالة تراثنا ولغتنا وحروفنا ولهجاتنا، وبهذا التميز استطاعت البترا ان تسجل نفسها على قائمة عجائب الدنيا السبع، وأن تمنح الأردن هذا التميز بتنوع التاريخ وهذا الخلود المحفور على صفحات التراث الانساني، وأن تمنحنا هذا الشعار الذي سيظل فخراً نفتخر به طالما البترا باقية، وطالما وطننا العزيز الأردن باق، وطالما نحن أحفاد الانباط باقون على ارض التاريخ وأرض الحضارات وأرض الانباط.